عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

158

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

أوحي إليه بنفي البعد الملبس . * ( فَأَوْحى ) * جبريل عليه السلام . إِلى * ( عَبْدِه ) * عبد الله وإضماره قبل الذكر لكونه معلوما كقوله : * ( عَلى ظَهْرِها ) * ما * ( أَوْحى ) * جبريل عليه السلام وفيه تفخيم للموحى به أو اللَّه إليه ، وقيل الضمائر كلها للَّه تعالى وهو المعني بشديد القوى كما في قوله : * ( إِنَّ اللَّه هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) * ودنوه منه برفع مكانته وتدليه جذبه بشراشره إلى جناب القدس . ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) أَفَتُمارُونَه عَلى ما يَرى ( 12 ) * ( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ) * ما رأى ببصره من صورة جبريل عليه السلام أو اللَّه تعالى ، أي ما كذب بصره بما حكاه له فإن الأمور القدسية تدرك أولا بالقلب ثم تنتقل منه إلى البصر ، أو ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك ولو قال ذلك كان كاذبا لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره ، أو ما رآه بقلبه والمعنى أنه لم يكن تخيلا كاذبا . ويدل عليه « أنه عليه الصلاة والسلام سئل هل رأيت ربك ؟ فقال رأيته بفؤادي » . وقرأ هشام ما كذب أي صدقه ولم يشك فيه . * ( أَفَتُمارُونَه عَلى ما يَرى ) * أفتجادلونه عليه ، من المراء وهو المجادلة واشتقاقه من مري الناقة كأن كلا من المتجادلين يمري ما عند صاحبه . وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب « أفتمرونه » أي أفتغلبونه في المراء من ماريته فمريته ، أو أفتجحدونه من مراه حقه إذا جحده وعلى لتضمين الفعل معنى الغلبة فإن المماري والجاحد يقصدان بفعلهما غلبة الخصم . ولَقَدْ رَآه نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ( 14 ) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ( 15 ) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ( 16 ) * ( وَلَقَدْ رَآه نَزْلَةً أُخْرى ) * مرة أخرى فعلة من النزول أقيمت مقام المرة ونصبت نصبها إشعارا بأن الرؤية في هذه المرة كانت أيضا بنزول ودنو والكلام في المرئي والدنو ما سبق . وقيل تقديره ولقد رآه نازلا نزلة أخرى ، ونصبها على المصدر والمراد به نفي الريبة عن المرة الأخيرة . * ( عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ) * التي ينتهي إليها أعمال الخلائق وعلمهم ، أو ما ينزل من فوقها ويصعد من تحتها ، ولعلها شبهت بالسدرة وهي شجرة النبق لأنهم يجتمعون في ظلها . وروي مرفوعا أنها في السماء السابعة . * ( عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ) * الجنة التي يأوي إليها المتقون أو أرواح الشهداء . * ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ) * تعظيم وتكثير لما يغشاها بحيث لا يكتنهها نعت ولا يحصبها عد ، وقيل يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون اللَّه عندها . ما زاغَ الْبَصَرُ وما طَغى ( 17 ) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّه الْكُبْرى ( 18 ) * ( ما زاغَ الْبَصَرُ ) * ما مال بصر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم عما رآه . * ( وما طَغى ) * وما تجاوزه بل أثبته إثباتا صحيحا مستيقنا ، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها وما جاوزها . * ( لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّه الْكُبْرى ) * أي واللَّه لقد رأى الكبرى من آياته وعجائبه الملكية والملكوتية ليلة المعراج وقد قيل إنها المعنية بما * ( رَأى ) * . ويجوز أن تكون * ( الْكُبْرى ) * صفة لل‍ * ( آياتِ ) * على أن المفعول محذوف أي شيئا من آيات ربه أو * ( مِنْ ) * مزيدة .